الشيخ محمد هادي معرفة

208

التفسير الأثرى الجامع

لجمعوه على فعلاء ، فقيل لهم النبآء ، على مثال النبغاء ، لأنّ ذلك جمع ما كان على فعيل من غير ذوات الياء والواو من النعوت كجمعهم الشريك شركاء ، والعليم علماء ، والحكيم حكماء ، وما أشبه ذلك . وقد حكي سماعا من العرب في جمع النبي النبآء ، وذلك من لغة الّذين يهمزون النبىء ، ثمّ يجمعونه على النبآء على ما قد بيّنت ، ومن ذلك قول عبّاس بن مرداس في مدح النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : يا خاتم النّبآء إنّك مرسل * بالخير ، كلّ هدى السبيل هداكا فقال : يا خاتم النّبآء على أنّ واحدهم نبىء مهموز . وقد قال بعضهم : النبيّ والنبوّة غير مهموز ، لأنّهما مأخوذان من النّبوة ، وهي مثل النجوة وهو المكان المرتفع . وكان يقول : إنّ أصل النبي الطريق ، ويستشهد على ذلك ببيت القطامي : لمّا وردن نبيّا واستتبّ بها * مسحنفر كخطوط السّيح منسحل « 1 » يقول : إنّما سمّي الطريق نبيّا ، لأنّه ظاهر مستبين من النبوة . ويقول : لم أسمع أحدا يهمز النبيّ . قال : وقد ذكرنا ما في ذلك وبيّنّا ما فيه الكفاية إن شاء اللّه . ويعني بقوله : وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ : أنّهم كانوا يقتلون رسل اللّه بغير إذن اللّه لهم بقتلهم منكرين رسالتهم جاحدين نبوّتهم . وقال في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ : قوله : ذلِكَ ردّ على « ذلك » الأولى . ومعنى الكلام : وضربت عليهم الذلّة والمسكنة وباءوا بغضب من اللّه ، من أجل كفرهم بآيات اللّه . وقتلهم النبيّين بغير الحقّ ، من أجل عصيانهم ربّهم واعتدائهم حدوده ؛ فقال جلّ ثناؤه : ذلِكَ بِما عَصَوْا والمعنى : ذلك بعصيانهم وكفرهم معتدين . والاعتداء : تجاوز الحدّ الذي حدّه اللّه لعباده إلى غيره ، وكلّ متجاوز حدّ شيء إلى غيره فقد تعدّاه

--> ( 1 ) رواية هذا البيت في معجم البلدان لياقوت ( 5 : 259 ) : « واستتب بنا . . . الشيخ » . قال : وفي كتاب نصر : النبيّ : ماء بالجزيرة من ديار تغلب والنمر بن قاسط . . . قال : والنبيّ أيضا موضع من وادي ظبي على القبلة منه إلى الهيل . واستتبّ الأمر والطريق : استوى واستقام وتبيّن واطّرد وامتدّ . ومسحنفر : صفة للطريق أي واسع ممتدّ . والسيح : ضرب من البرود أو العباء مخطّط ، يلبس أو يستتر به ويفرش . وسحلت الريح الأرض فانسحلت : كشطت ما عليها . وأمّا الشيح فهو نبات أنواعه كثيرة كلّه طيّب الرائحة والواحدة شيحة .